
صورة ميدان المساجد بالاسكندريه وتظهر فيها صورة مسجد ابى العباس وماحوله من مساجد بالساحة المرسيه

اسلام السنيور خوسيه
لصلاح ابوشنـــب
قال تعالى : انك لا تهدى من أحببت
ولكن اللـه يهدى من يشاء (القصص 28 ) ، وقال سبحانـه : لو انفقت ما فــى الارض جميعـــا ما ألفــّت بين قلوبهــم ، ولكــن اللــــه ألـّف بينهم (الانفال8)
جاء من شبه جزيرة ايبريا مبعوثا لبلاده ليدير احد المراكز الثقافيه لها فى مصر ، كان فخورا بنفسه مغرما بالتاريخ والحضارة ، يدرس لغة بلاده ويلقى المحاضرات الثقافيه والتاريخيه من حين الى حين ، لم يشهد المركزالذى كان يرأسه حركة نشاط ثقافى مثلما شهد خلال فترة انتدابه ،كان يفتخر بأنه من بلاد الاندلس ، وهى اقليم فى جنوب اسبانيــــا الذى كان تحت حكم المسلمين فى يوم من الايام ولمدة سبعة قرون ، وأنه ولد فى مدينه عريقه كان يؤكد بأن فـــــى عروقه يجرى جزء من الدماء العربيه درس اللغــــه العربيـــــه قبل مجيئه الى مصر وكان يتحدثها بالفصحى وتمكن منها اكثــــر باختلاطه فى المجتمع المصرى ، عشــق الفلوكلور المصرى ولا سيما الدينى منه وكــــــان يحرص على حضور الاحتفالات الدينيه فى المناسبات والاعياد لاسيمـــا الاحتفالات بالموالــد الشعبيه كمولد سيدى المرسى ابى العباس وسيدى البوصيرى وغيرهـــم من أولياء الساحه المرسيه بالاسكندريه ، ولم تكن الكاميرا الفوتوغرافيه التى يحملها معه تغادر منظرا من مناظر الجلوة اثناء الاحتفال بقدوم شهر
رمضان المبارك .
كانـــت سيارته الخنفساء ماركة الفولكس فاجن تأخذنا الى موقع المولــد لمشاهـــــدة الجلوة ثم نعرج بعد ذلك الى مقهى المطرى الكبرى التى تقـــــع على ناصيـــة شارعى الكورنيش واسماعيل صبرى باشا لنلعـــب الشطرنج التى كـــــان يجيدها.
عندما دخل معى ذات مرة الى مسجد سيدى أبى العباس المرسى لالتقاط بعض الصور التذكاريه قبل سفر ه الى بلاده لقضاء الاجازة الصيفيه هناك، سألنى عن الزوار الذين كانوا يتجمعون أما مقصورة مقبرة العارف باللـــــه
فقلت له : انهم يزورونه ويتبركون به ، ثم يقرأون الفاتحه على روحه
قال : اذن فهو يشبه القديس عندنا
قلت : شىء قريب من ذلك ، ثم قلت : هل تعلم أن هذا العالم الجليل يعتبـــر بلدياتك ؟ أخذته الدهشه ! ثم قال : كيف يكون ذلك ؟
قلت : أن اسمه هو أحمد بن على بن عمر الخزرجى الانصارى المرســـــى البلنسى وكلمة مرسى لانه من مواليد مدينة مرسيا الاندلسيه ، وكلمـةبالنسى نسبة الى مدينة بالنسيا التى تلقى فيها تعليمه ابتهج وقال : اذن فهو بلدياتى حقا؟
قلت : الم اقل لك ذلك بعد أن سمع ذلك جلس فوق السجاجيد الصوفيه الحمراء الى جانــــب المقصورة وسرح بفكره بعيد ، فلم أشأ أن اقاطعه وانزويت فى احـــدالاركان أصلى ركعتين ما بين المحراب والمنبر الى أن فرغ الاستاذ من تأملاته ، خرجنا من المسجد وسرنا على شاطىء البحر نتحدث عن الطريقـــه الشاذليه الصوفيه وشيخها سيدى المرسى ابى العباس الذى انتقلـــــت اليه مشيخة الطريقه بعد وفاة استاذه الشيخ الحسن بن على الشاذلــــى رحمه الله وكان مهتما بالاستماع الى هذا الموضــــوع وقــــال ان فى المسيحيه شيئا مشابها اسمه " الصوفيزمو" ، ولم اعقب على ما قــال لعدم معرفتى شيئا عن موضوع الصوفيزمو فى الديانة المسيحيه ، ولكنى كنت أقرأ كثيرا عن الصوفيه الشاذليه وعن شيخنا العالــــــــم الجليل سيدى ابى العباس المرسى وأصحابه وتلامذته من علمـــــــاء الساحة المرسيه فقلت له : ان الامام ابى العباس المرسى من كبـــــار علماء الصوفيه وهو التلميذ النجيب الاول لشيخه العارف بالله سيــدى الحسن بن على الشاذلى وأن الشيخ رحمه الله كان يعيش بمنزلـــه الكائن فى نفس موقع المسجد الحالى لم يمضى سوى اسبوع واحد على لقاءنا الاول حتى فوجئت بـــه داخل مسجد ابى العباس واقفا امام المقصورة وحــــده ينظر اليهـــا باهتمام ، وقفت على مقربة منه دون أن يتنبـــه الـــى قدومـــــى ، فلما هم بالانصراف وجدنى اجلس على مقربة منه فارتاع لحظـــــه، فبادرته بقولى : هل اعجبك المكان
قال : ماذا تقصد ؟
قلت : وجودك هنا وحدك وقد كنا سويا منذ اسبوع
قال : وما الغرابة فى ذلك ..الم تقل لى انه بلدياتى ؟
قلت : بلى
قال : شخص أتى لزيارة بلدياته وتوديعه قبل سفرى ، أو ليس من الواجب أن أودع بلدياتى قبل سفرى ؟
قلت : لديك حق ، وشعرت وقتها بأنه لم يكن يرغب فى أن أراه فـــــى ذاك الموقف ، خرجنا سويا وجلسنا على المقهى كعادتنا ولم يعقب احدنا على شــىء ومرت الايام على هذا الحال الى أن افترقنا بعد التخرج وسافرت الى خارج الوطن ، وفى سنة من السنين وأثناء قضاء فتـــرة اجازتى الصيفية تشوقت نفسى لزيارة مسجد ابى العباس المرسى والصـــلاة فتوجهت الى هناك كانت قد مرت خمس سنوات أو اكثر على افتراقنا ، وصلــــــت الى ساحة المسجد وكانت صلاة العشاء علــــى وشك القيـــــام فأسرعت بالدخول الى الميضه للوضوء فما أن شمرت أكمام القميص عــــــن ذراعى حتى فوجئت بشخص عن يمينى كاد أن ينتهى من وضوئـــه فنظرت نحوه فاذا هو الاستاذ بشحمه ولحمه يتوضأ وضوءا جيــــدا وهو يتشهد ويدعو دعاء الوضوء بعربية فصحى سررت فى نفسى سرورا بالغا ، ولم أشأ أن أفآجأه بوجودى وتركته يكمل وضوئـــه وينصرف.
كانت صلاة العشاء قد بدأت وانقضت منها الركعة الاولـى ، وكــــان مــن الطبيعى ان يصطف الاستاذ فى الصف الاخير ومـــــن الطبيعى أيضـــا أن يكون مكانى الى جانبه ، فوقفت الى جانبه وكبرت تكبيرة الاحرام وانتظمت فى الصلاة ، فلما سلم الامام تسليمتى التحيات الاخيرة قام كلانا للاتيـــــــان بالركعة الفائته ، فلما جلسنا للتحيات وجاءت لحظة التسليمتين التقى وجهـه بوجهى مباشرة فاهتز واخذته الدهشه ، فلما ذهب عنه الروع سلم على بعد أن انتهينا من ختم الصلاة وتأدية صلاة الشفع والوتر توجهنا الـــى ناحية المقصورة فقرأت الفاتحه وقرأها معى ثم جلسنا
قلت له : لقد شاهدتك وأنت تتوضأ فلم أشأ أن ازعجك
قال : لم يعلم بذلك أحد
قلت : منذ متى تم هذا الامر ؟
قال : لو كنت صاحب فراسه لعرفت من تلقاء نفسك
قلت : لقد احسست بشىء من هذا القبيل ، لكنى خشيت أن فاتحتك أنكرت ، فخشيت أن اكون قد تسرعت فى اصدار حكم بغير دليل
قال : هل تذكر حينما وجدتنى اقف هنا وحدى فى نفس هــــذا المكـــــان ، وسألتنى عن سبب وقوفى فقلت لك اننى جئت أودع بلدياتى قبــل سفرى ؟
قلت : نعم ، وهذا هو اليوم الذى شعرت فيه أنك اسلمت أو على الاقــل فى طريقك اليه
قال : كانت تلك هى البدايه
قلت : أرأيت كيف داريت عنى الامر وقلت انك جئت تودع بلدياتك
قال : أن الموضوع حساس بعض الشىء وأنت تعلم ذلك
قلت : الحمد لله على أن هداك الله لهذا الدين القيم
قال : الحمد لله
خرجنا سويا من المسجد وسرنا قليلا ثم افترقنا ثانية بعد أن ودع كـــل منا الاخر كنت اقول فى نفسى سبحان الله أن هذا الدين القيم هو الغالـــــب دائما ، وقد صدق بنو الاحمر عندما حفروا تلك العبارة الخالدة حول أعالــى جدران قصر الحمراء بغرناطه " لا غالب الا الله " فعلا لا غالب بحـــــق الا الله ، وانه لفخر لنا الى يوم الدين أن نعتز بأننا مسلمين .
تمـــــت





